عامر النجار
54
في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية
الكهانة طبقة جديدة تتولى العلاج باسم الدين . بل سمح النبي صلى اللّه عليه وسلم باستشارة الأطباء ولو من غير المسلمين ، فلما مرض سعد بن أبي وقاص رضى اللّه عنه في حجة الوداع عاده النبي وقال له : « إني لأرجو أن يشفيك اللّه حتى يضرّ بك قوم وينتفع آخرون » ثم قال للحارث بن كلدة الثقفي : « عالج سعدا ممّا به » والحارث على غير دين الإسلام . وكان الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج الثقفي طبيب العرب في زمنه ، وهو من ثقيف ، من أهل الطائف رحل إلى بلاد فارس ، وأخذ الطب عن أهل « جنديسابور » « 1 » وغيرها في الجاهلية ، ثم عاد إلى الطائف . . . ومن أقوال الحارث بن كلدة « 2 » . « من أراد البقاء ولا بقاء أي
--> ( 1 ) جنديسابور : مدينة بخوزستان بإيران ، بناها سابور بن أردشير ، وكانت مركزا هاما من مراكز تعليم الحكمة والطب والفلسفة زمن أكاسرة الفرس . ( 2 ) ومن ذلك أنه لما وفد على كسرى أنوشروان أعظم ملوك ساسان أذن له بالدخول عليه . فلما وقف بين يديه منتصبا قال له : من أنت ؟ قال : أنا الحرث بن كلدة الثقفي . قال فما صناعتك ؟ قال الطب قال : فما أصل الطب : قال : الأزم . ( الجوع ) قال : فما الأزم ؟ قال ضبط الشفتين والرفق باليدين قال : أصبت وقال : فما الداء الدوى ، قال : إدخال الطعام على الطعام ، هو الذي يفنى البرية ويهلك السباع في جوف البرية قال : أصبت ، وقال : فما الجمرة التي تسطلم أي تستأصل منها الأدواء ؟ قال : هي التخمة ، إن بقيت في الجوف قتلت ، وإن تحللت أسقمت . قال : صدقت . وقال : فما تقول في الحجامة ؟ قال : نقصان الهلال في يوم صحو لا غيم فيه ، والنفس طيبة والعروق ساكنة ، لسرور يفاجئك وهم يباعدك . قال : فما تقول في دخول الحمام ؟ قال : لا تدخله شبعانا ، ولا تغش « دخل على أهله أي جامع امرأته » سكرانا ، ولا تقم بالليل عريانا ، ولا تقعد على الطعام غضبانا وارفق بنفسك ، يكن أرخى لبالك ، وقلل من طعامك ، يكن أهنأ لنومك . قال فما تقول في الدواء ؟ قال : ما لزمتك الصحة فاجتنبه ، فإن هاج داء فاحسمه بما يردعه قبل استحكامه ، فإن البدن بمنزلة الأرض إن أصلحتها عمرت ، وإن تركتها خربت . قال : فما تقول في الشراب ؟ قال : أطيبه أهنأه ، وأرقه أي أصلحه وأحسنه أمرأه أسيغه ، وأعذبه أشهاه . لا تشربه صرفا « العرق من الشراب : الخالص الغير ممزوج » فيورثك صداعا ، وتثير عليك من الأدواء أنواعا . . . قال فأي اللحمان أفضل ؟ قال الضأن الفتى اسم جنس من الغنم « والقديد » « اللحم المقدد أي المجفف بالشمس » المالح مهلك للأكل . واجتنب لحم الجزور والبقر . قال : فما تقول في الفواكه ؟ قال : كلها في إقبالها وحين أوانها واتركها إذا أدبرت وولت وانقضى زمانها . وأفضل الفواكه : الرمان والأترج « ثمرة من جنس الليمون تسميه العامة الكباد » وأفضل الرياحين : الورد -